الحلبي
484
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وعن وهب بن منبه : قرأت في أحد وسبعين كتابا أنه صلى اللّه عليه وسلم أرجح الناس وأفضلهم رأيا . وفي رواية : وجدت في جميعها أن اللّه تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انتهائها من العقل في جنب عقله صلى اللّه عليه وسلم إلا كحبة بين رمال الدنيا . ومما يتفرغ على العقل اقتناء الفضائل ، واجتناب الرذائل ، وإصابة الرأي ، وجودة الفطنة وحسن السياسة والتدبير ، وقد بلغ من ذلك صلى اللّه عليه وسلم الغاية التي لم يبلغها بشر سواه . ومما يكاد يقضي منه العجب حسن تدبيره صلى اللّه عليه وسلم للعرب الذين هم كالوحوش الشاردة ، كيف ساسهم ، واحتمل جفاهم ، صبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه صلى اللّه عليه وسلم ، واجتمعوا عليه ، واختاروه على أنفسهم ، وقاتلوا دونه أهلهم وآباءهم وأبناءهم وهاجروا في رضاه أوطانهم انتهى ، واللّه أعلم . باب يذكر فيه مدة مرضه ، وما وقع فيه ، ووفاته صلى اللّه عليه وسلم التي هي مصيبة الأولين والآخرين من المسلمين ذكر أنه صلى اللّه عليه وسلم خرج إلى البقيع من جوف الليل فاستغفر لهم . فعن أبي مويهية مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال له في جوف الليل ، إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي ، قال : فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم ، قال : السلام عليكم يا أهل المقابر ، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه ، لو تعلمون ما نجاكم اللّه منه أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها والأخيرة شر من الأولى ، قال : ثم أقبل عليّ ، وقال : يا أبا مويهية هل علمت أني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ، ثم الجنة ، وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي ، فاخترت لقاء ربي والجنة » أي وفي رواية : « أن أبا مويهية قال له : بأبي أنت وأمي ، فخذ مفاتيح خزائن الأرض والخلد فيها ، ثم الجنة . قال لا ، واللّه يا أبا مويهية لقد اخترت لقاء ربي والجنة ، ثم رجع صلى اللّه عليه وسلم إلى أهله ، فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك ابتدأه الصداع » أي وفي رواية « ذهب بعد ذلك إلى قتلى أحد فصلى عليهم ، فرجع معصوب الرأس ، فكان ذلك بدء الوجع الذي مات فيه » وفي رواية : « رجع من جنازة بالبقيع » . قالت عائشة رضي اللّه عنها : « لما رجع من البقيع وجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول وا رأساه ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : بل أنا وا رأساه قال : لو كان ذلك وأنا حيّ فأستغفر لك وأدعو لك وأكفنك وأدفنك » وفي لفظ : « وما يضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك ، فقلت : وا ثكلاه . واللّه : إنك لتحب موتي ، فلو كان ذلك لظللت يومك معرسا ببعض أزواجك ، قالت : فتبسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،